الفيض الكاشاني
73
أنوار الحكمة
ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها . وإنّه - سبحانه - يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه ؛ كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ؛ بلا وقت ولامكان ، ولا حين ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ؛ ولا شيء إلا اللّه الواحد القهّار ، الذي إليه مصير جميع الأمور ، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها ، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها . لم يتكأدّه « 1 » صنع شيء منها إذ صنعه ، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه ، ولم يكوّنها لتشديد سلطان ولا تخوّف من زوال ونقصان ، ولا للاستعانة بها على ندّ مكاثر ، ولا للاحتراز بها من ضدّ مثاور « 2 » ، ولا للازدياد بها في ملكه ، ولا لمكاثرة شريك في شركه ، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها . ثمّ هو يفنيها بعد تكوينها ، لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحة واصلة إليه ، ولا لثقل شيء منها عليه . لا يملّه طول بقائها ولا يدعوه إلى سرعة إفنائها ، لكنّه سبحانه دبّرها بلطفه وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ؛ ثمّ يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ولا لاستعانة بشيء منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس ، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة ، ولا من ذلّ وضعة إلى عزّ وقدرة » . ومن كلماته النوريّة « 3 » « الذي لم تسبق له حال حالا ، فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا .
--> ( 1 ) لم يتكأدّه : لم يشق عليه . ( 2 ) المثاور : المواثب المهاجم . في هامش ر : الثور : الهيجان والوثب والطوع . ق . ( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة 65 . أولها : « الحمد للّه الذي لم يسبق له حال حالا . . . » . عنه البحار : 4 / 308 - 309 ، ح 37 . 77 / 304 ، ح 9 .